مركز الثقافة والمعارف القرآنية

509

علوم القرآن عند المفسرين

الكلامية لو فرض ان بينها تركيبا بالغا حد الإعجاز كان معناه أن كل معنى من المعاني المقصودة ذو تراكيب كلامية مختلفة في النقص والكمال والبلاغة وغيرها ، وبين تلك التراكيب تركيب هو أرقاها وابلغها لا تسعة طاقة البشر ، وهو التركيب المعجز ، ولازمه أن يكون في كل معنى مطلوب تركيب واحد إعجازي ، مع أن القرآن كثيرا ما يورد في المعنى الواحد بيانات مختلفة وتراكيب متفرقة ، وهو في القصص واضح لا ينكر ، ولو كانت تراكيبه معجزة لم يوجد منها في كل معنى مقصود الا واحد لا غير . قلت : هاتان الشبهتان وما شاكلهما هي الموجبة لجمع من الباحثين في إعجاز القرآن في بلاغته أن يقولوا بالصرف ، ومعنى الصرف أن الإتيان بمثل القرآن أو سور أو سورة واحدة منه محال على البشر لمكان آيات التحدي وظهور العجز من أعداء القرآن منذ قرون ، ولكن لا لكون التأليفات الكلامية التي فيها في نفسها خارجة عن طاقة الإنسان وفائقة على القوة البشرية ، مع كون التأليفات جميعا أمثالا لنوع النظم الممكن للانسان ، بل لأن اللّه سبحانه يصرف الإنسان عن معارضتها والإتيان بمثلها بالإرادة الإلهية الحاكمة على إرادة الإنسان حفظا لآية النبوة ووقاية لحمي الرسالة . وهذا قول فاسد لا ينطبق على ما تدل عليه آيات التحدي بظاهرها ، كقوله : قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ « 1 » الآية ، فان الجملة الأخيرة ظاهرة في أن الاستدلال بالتحدي إنما هو على كون القرآن نازلا لا كلاما تقوله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وان نزوله انما هو بعلم اللّه لا بإنزال الشياطين ، كما قال تعالى : أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ « 2 » ، وقوله تعالى : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ « 3 » ، والصرف الذي يقولون به إنما يدل على صدق الرسالة بوجود آية هي الصرف ، لا على كون القرآن كلاما للّه نازلا من عنده ، ونظير هذه الآية الآية الأخرى ، وهي قوله : قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ

--> ( 1 ) سورة هود : الآية 13 - 14 . ( 2 ) سورة الطّور : الآية 34 . ( 3 ) سورة الشعراء : الآية 212 .